الشيخ السبحاني

480

رسائل ومقالات

العقائد والأحكام بين المسلمين ، خصوصاً غير المتدرّعين منهم بسلاح العلم والبرهان ، فاشتدّ حمى الجدال بين المسلمين وروّاد الأفكار الدخيلة . كما أنّه كان لوجود الأسرى أثرٌ فعالٌ في طلي الشبه وسوقها في بوتقة البرهان ردّاً على العقائد الإسلامية ، نظراء ابن أبي العوجاء وحماد بن عجرد ، ويحيى بن زياد ، ومطيع بن أياس ، وعبد اللَّه بن المقفع ، الذين كان لهم نشاطٌ ملموس في زعزعة عقائد العامة . وكان لظاهرة الترجمة ، وانتشار الشُّبه بين المسلمين ، تأثيرٌ مهم في شحذ همم المفكرين من المسلمين بغية الوقوف أمامها ، وبذلك نشأ علم الكلام ودونت رسائل في الذّب عن العقيدة والتدرّع بنفس السلاح الذي تدرّع به المخالف ، فلم يمض القرن الأوّل إلّا وتجد حلقات شكلت لهذا العلم طرحت فيها المسائل الكلامية على طاولة البحث لتفنيد حجج المخالفين وإبطالها . نعم قام بعض السذّج من أهل الحديث بتحريم علم الكلام ، والوقوف أمامه ، ودعوا إلى نبذه ، بزعم أنّهم بذلك يقدمون أفضل خدمة للإسلام وعقيدته ، غافلين عن أنّ سلب هذا السلاح من يد المفكرين من المسلمين يوجب استيلاء الإلحاد على الربوع الإسلامية . كلّ هذا وذاك دعا المفكرين إلى تأسيس علم الكلام ، وقد استلهموا في ذلك من الكتاب العزيز ، وخطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ومدرسة الأئمّة من بعده التي تركت بصمات واضحة على زعزعة الحركة الإلحادية ، وجعل الشبه والردود في مدحرة البطلان ، ولذلك كان تدوين علم الكلام حاجة ملحّة لا ترفيهية ، وقد أخذ علم الكلام على عاتقه الذب عن حياض العقيدة الإسلامية ، باستعراض البراهين العقلية تارة ، وبإعمال أساليب الجدل والمناظرة تارة أُخرى ، وقد بلغ هذا العلم ذروته وظهرت مناهج كلامية مختلفة تنتهي جذورها إلى ما ورثوه من الكتاب ، وخطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .